من قرية تراثية إلى وجهة عالمية للسياحة الثقافية.. الصين تقدم نموذجًا رائدًا لاحياء التراث والتنمية الريفية
وتعد لانغتو ، إحدى أشهر القرى التاريخية والثقافية في الصين، حيث تحتفظ بموروث معماري وثقافي يعود إلى عهدي أسرتي مينغ وتشينغ، فيما تمثل اليوم تجربة متقدمة في إحياء القرى التاريخية من خلال الاستثمار في التراث وإشراك المجتمع المحلي في عملية التنمية.
وتقع القرية في بلدة تانبو التابعة لمنطقة هوادو بمدينة قوانغتشو، وتبلغ مساحتها نحو 6.25 كيلومترات مربعة، ويقطنها قرابة 2800 نسمة، معظمهم من أبناء عائلة " هوانغ " .
وتشير الروايات التاريخية إلى أن أسلاف القرية هاجروا جنوبًا من زقاق تشوجي في مقاطعة نانشيونغ خلال أواخر عهد أسرة سونغ الجنوبية، قبل أن يستقروا في موقعها الحالي ويؤسسوها عام 1367 ميلادية في عهد أسرة يوان، لتتجاوز اليوم 700 عام من التاريخ المتواصل.
وتنقسم لانغتو إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي لانغدونغ (الشرق)، ولانغتشونغ (الوسط)، ولانغشي (الغرب)، يفصل نهر صغير القسم الغربي عن القسمين الآخرين، بينما تضم القرية 388 مبنىً تراثيًا مشيدًا بالطوب الأزرق الرمادي يعود تاريخها إلى أسرتي مينغ وتشينغ، وتنتشر فيها أكثر من ثلاثين قاعة للأسلاف، وقاعات للدراسة، وأكاديميات تقليدية، إلى جانب خمسة أبراج مراقبة وبوابات تاريخية تعكس الطراز المعماري الفريد لمنطقة لينغنان.
ويستعرض مركز المعارض في القرية التاريخ الثقافي والاجتماعي للمنطقة، ويضم وثائق ومقتنيات تعرف الزوار بأبرز الشخصيات التي خرجت منها، إضافة إلى الإنجازات والأوسمة التي حصلت عليها القرية عبر تاريخها الطويل.
كما يسلط الضوء على التخطيط العمراني المميز الذي وضعه الجد الحادي عشر للعائلة، هوانغ زونغشان، والذي اعتمد على توزيع المباني وفق رؤية هندسية تراعي تضاريس المنطقة، حيث ترتفع الأرض شمالًا وتنخفض جنوبًا، مع وجود التلال خلف القرية والمياه أمامها، وهو ما وفر بيئة عمرانية متوازنة من الناحية الجمالية والبيئية.
وتتميز مباني لانغتو بتوزيعها على شكل " المشط " ، فيما تتوسطها ثلاث برك مائية نصف دائرية صُممت وفق مبادئ " الفنغ شوي " وأحيطت بممرات خضراء لتوفير بيئة معيشية مريحة ومتناغمة مع الطبيعة.
ومن أبرز معالم القرية بوابة " شنغ بينغ رن روي" التذكارية، التي شُيدت بأمر إمبراطوري عام 1792 خلال عهد الإمبراطور تشيان لونغ، تخليدًا لذكرى السيدة تسوي ، زوجة المسؤول الإمبراطوري هوانغ تشن، الذي توفي شابًا بعد نجاحه في الامتحانات الإمبراطورية وتوليه منصب حاكم مقاطعة نانهاي.
وعاشت السيدة تسوي حتى بلغت 103 أعوام، وظلت وفية لزوجها طوال 79 عامًا من الترمل، فأصبحت رمزًا للوفاء والاستقامة، فيما أصبحت البوابة شاهدًا على تقليد صيني قديم كان يكرم المعمرين الذين تجاوزوا المئة عام بمنحهم مكافآت مالية وإقامة بوابات تذكارية في قراهم.
وتؤكد إدارة القرية ، أن الهدف من هذه المعالم لا يقتصر على تخليد إنجازات الأسلاف، بل يتعداه إلى غرس قيم الوفاء والعلم والانضباط في نفوس الأجيال الجديدة.
ويبرز التعليم بوصفه أحد أهم ملامح تاريخ لانغتو، إذ يروي معرض القرية قصة هوانغ قويي، الذي اشتهر بحسن إدارة أسرته وأعماله الخيرية واهتمامه بتعليم أبنائه، فأنشأ قاعة دراسية خاصة لأبنائه السبعة، تمكن ثلاثة منهم من اجتياز الامتحانات الإمبراطورية، ليشتهروا بلقب " 3 ناجحين من بين 7 أبناء " ، في قصة أصبحت رمزًا لثقافة احترام العلم داخل القرية.
وفي إطار جهود إحياء القرية، برز زقاق " سانيو " التاريخي بوصفه أول شارع ثقافي وتجاري إبداعي فيها، بعد تطويره من قبل مؤسسة " فيب شوب " الخيرية، التي عملت على ترميم المباني التاريخية وتحويلها إلى فضاءات ثقافية وتجارية تحافظ على الطابع التراثي وتستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات السياحة الحديثة.
واستُمد اسم الزقاق من مفهوم " الأوقات الثلاثة المتاحة للقراءة " ، الوارد في كتاب " سجلات الممالك الثلاث" والذي يحث على استثمار أوقات الفراغ خلال الشتاء والليل والأيام الممطرة في طلب العلم، وهو ما يعكس المكانة التي احتلتها الثقافة والتعليم في تاريخ القرية.
ويضم الشارع ستة متاجر تحمل علامات تجارية مختلفة، تمزج بين العمارة الصينية القديمة والتصميم العصري، في محاولة لإضفاء حياة جديدة على القرية التاريخية.
ومن بين هذه المشاريع جناح " يويشيانغ " الذي يقدم ورشًا تعليمية حول الأعشاب الطبية الصينية، ويتيح للزوار صناعة أكياس عطرية تقليدية تستخدم لطرد الحشرات أو تحسين النوم أو التخفيف من أعراض الحساسية واحتقان الأنف أو المساعدة على الاسترخاء، ليحملها الزائر كتذكار يعكس جانبًا من الثقافة الطبية الصينية التقليدية.
كما شهدت القرية افتتاح أول فرع لسلسلة كنتاكي داخل منزل تراثي قديم جرى تحويله إلى مقهى، مع الحفاظ على الطراز المعماري التقليدي وإضافة عناصر من الثقافة الكانتونية، ليقدم القهوة والحلويات والشاي في أجواء تجمع بين التاريخ والحداثة.
واستقطبت القرية كذلك العلامة التجارية الصينية CHALI المتخصصة في الشاي الفاخر المعبأ، والتي تقدم مجموعة متنوعة من أنواع الشاي ومنتجاته، في تجربة تهدف إلى ربط آلاف السنين من ثقافة الشاي الصينية بالإرث التاريخي العريق للقرية.
كما افتتحت علامة القهوة الصينية Chaoche Erhou ومتجر CHALI Yishi للمشروبات العصرية داخل مبانٍ تراثية، بعد إعادة تأهيلها مع الحفاظ على أسقفها التقليدية المصنوعة من القرميد الأسود وأثاثها المصنوع يدويًا من الخيزران، لتوفر تجربة تجمع بين التراث الصيني والحياة العصرية، خصوصًا لفئة الشباب.
وفي نهاية زقاق سانيو، يقع البئر التاريخي الذي يزيد عمقه على ثمانية أمتار، وكان يمثل المصدر الرئيس لمياه الشرب لسكان الجزء الشرقي من القرية. ولا تزال حواف البئر الحجرية تحمل آثار التآكل التي خلفتها الحبال المستخدمة في سحب المياه عبر مئات السنين، في مشهد يجسد تفاصيل الحياة اليومية لسكان لانغتو عبر الأجيال.
وتقدم قرية لانغتو اليوم نموذجًا صينيًا متكاملًا لإحياء القرى التاريخية، يقوم على الحفاظ على التراث المعماري والثقافي، وتنشيط الاقتصاد المحلي عبر السياحة والصناعات الإبداعية، مع إشراك المجتمع المحلي في عملية التنمية، لتؤكد أن حماية التاريخ يمكن أن تتحول إلى محرك للتنمية المستدامة، وأن الماضي قادر على صناعة مستقبل أكثر ازدهارًا./انتهى5
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام